أبي حيان التوحيدي
113
المقابسات
الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح ، وإخلاص المعتقد والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا وخدع بالزّبرج وهوى بصاحبه إلى الهبوط ؟ وهل وصل الحكماء القدماء إلى السعادة العظمى الا بالاقتصاد في السعي ، وإلا بالرضى بالميسور ، وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم ؟ فأين يذهب بنا ، وعلى أي باب نحط رحالنا ؟ وهل جامع الكتب ، إلا كجامع الفضة والذهب ؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما ؟ وهل المغرم بحبها إلا كالمكاثر بهما ؟ هيهات ! الرحيل واللّه قريب ، والثواء قليل ، والمضجع مقض ، والمقام ممض ، والطريق مخوف ، والمعين ضعيف ، والاغترار غالب ، واللّه من راء هذا كله طالب . نسأل اللّه تعالى رحمة يظلنا جناحها ، ويسهل علينا في هذه الفاجعة غدوها ورواحها . فالويل كل الويل لمن بعد عن رحمته ، بعد ان حصل تحت قدرته . فهذا هذا ثم أنى ، أيدك اللّه ، ما أردت أن أجيبك عن كتابك ، لطول جفائك ، وشدة التوائك ، عمن لم يزل على رأيك مجتهدا ، وفي محبتك على قربك ونأيك مع ما أجده من انكسار النشاط ، وانطواء الانبساط ، لتعاود العلل على ، وتخاذل الأعضاء منى . فقد كل البصر ، وانعقد اللسان ، وجمد الخاطر ، وذهب البيان ، وملك الوسواس ، وغلب الياس ، من جميع الناس . ولكني حرست منك ما أضعته منى ، ووفيت لك بما لم تف به لي ، ويعز على أن يكون لي الفضل عليك ، أو أحرز المزية دونك ، وما حدانى على مكاتبتك إلا ما أتمثله من تشوقك إلىّ ، وتحرفك على ، وان الحديث الذي بلغك قد بدد فكرك ، وأعظم تعجبك ، وحشد عليك جزعك . والأول يقول : وقد يجزع المرء الجليد ويبتلى * عزيمة رأى المرء نائبة الدّهر تعاوده الأيّام فيما ينوبه * فيقوى على أمر ويضعف عن أمر على أنك لو علمت في أي حال غلب على ما فعلته ، وعند أي مرض ،